“الطاقة المتجددة”.. تضارب ادوار وتقاطع اهداف .

  • “الطاقة المتجددة”.. تضارب ادوار وتقاطع اهداف .
“الطاقة المتجددة”.. تضارب ادوار وتقاطع اهداف .

عبد الحسين الهنين.

ليس أكثر من الحديث العام عن الطاقة المتجددة، ومنها الطاقة الشمسية باعتبارها بوابة المستقبل. يدور هذا الحديث في كل مكان ومنصّة، حتى صار جزءًا من التمظهر بمظهر الإيمان بالعلم وكون الحلول المستقبلية تعتمد عليه كليّا.
حكومياً، جرى تغيير اسم وزارة الكهرباء الى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، بالتوازي مع توقيع عقود استثمارية ضخمة.
وشجعت وزارة النفط هذا المسار رغم أنه يناقض الوظيفة الأساس التي وجدت من أجلها. هذه الوزارة هي مظلة الإنتاج والتطوير لقطاع النفط، ومن أهدافها الحتمية زيادة الحصة التصديرية وتعظيم الإيراد المالي، وهي مسؤولة أيضاً عن الالتزامات التعاقدية السابقة التي هدفت لإنتاج 12 مليون برميل يوميًا، ضمن عقود جولات التراخيص ( 1).
وصحيح علمياً أن النفط سينتهي دوره يوماً ما كمصدر أوّل للطاقة، وهو ما سيحصل بشكل تدريجي. لكنه سيبقى أحد المصادر المهمة. الأمر يشبه ما حدث مع الفحم الحجري حين جرى التحوّل الى عصر النفط، لم ينفد الفحم من العالم، وبقيت استخداماته ولم يغادر سوق الطاقة تماماً. كذلك لن نشهد توقفاً مفاجئاً لاستخدام البترول وكأن الأمر فيه زرّ كهربائي(On/Off)، إلّا أن كل هذا لا يمنع من السعي للاستثمار في الطاقة المتجددة، لأنها أصبحت واقعاً في حياة وسياسات الدول المستهلكة، رغم أن العالم يهرول نحو بناء مزيج متنوّع في استخدام الطاقة.
ويأتي التحدي الأبرز من التكنولوجيا نفسها، وهو أمر يرتبط بتقليل التكاليف والتأثيرات البيئية لنواتج هذا الاستخدام، وكذلك بالدعم المالي الذي توفره الدول لهذا النوع من الطاقة، ونوع السياسات الضريبية التي تفرض على انتاج او استهلاك الوقود الأحفوري.
في العراق، يبرز لنا واضحاً تقاطع الأهداف وتضارب الأدوار، وهو ما يشير الى غياب سياسة محددة للطاقة. وهذا الأمر جعل بعض القرارات تصدر وكأنها مجرّد تقليد لبعض التطبيقات التي تصلح في أماكن معيّنة من هذا العالم الفسيح، لكن ليس بالضرورة تنطبق على العراق الذي يمتلك خامس احتياطي نفطي موكد في العالم(2).
التوقعات تقول إن الطلب العالمي على مزيج الطاقة سيشهد تغيرات في حصّة كل نوع منها. كما تشير الى ترجيح ازدياد الطلب على الطاقة الأولية، من 13.8 مليار طن مكافئ نفط/2021، الى 15.5 مليار طن مكافئ/2025، ثم سيرتفع الى 17 مليار طن مكافئ/2040(3).أما الوقود الأحفوري، فسيرتفع الطلب عليه من11 مليار طن مكافئ، الى 12.5 مليار طن مكافئ/2040. هذا يعني، تراجع مستوى زيادة الطلب في كفة استخدام النفط لصالح كفّة استخدام الطاقة المتجددة، وهي تؤكد أيضاً(استمرار)استخدام النفط كأهم عناصر سوق الطاقة العالمي لغاية 2045، حسب تقديراتنا.
هذه الأرقام لا تدعو الى الهلع والخشية على النفط، لكنها سبب كافٍ يدفعنا الى الإسهام في التحوّل العالمي نحو الطاقة المتجددة. وعبر سياسة راشدة في مجال الطاقة، يمكننا أن نوازن بين سلعتنا اليتيمة في سوق الطاقة(النفط)، وبين إسهامنا في استخدام الطاقة المتجددة. وبعبارات بسيطة، يجب أن نبحث عن أعلى عائد وسعر للنفط الخام، بينما نحوّل جزءاً مهماً من هذه العوائد لصالح التنمية في المجالات كافة، ونطلق تأسيساً واسعاً للبنى التحتية. وهنا قد تكون اتفاقية الإطار المالي مع “مؤسسة ضمان الصادرات والائتمان الصينية ساينا شور/SINOSURE “، هي إحدى أهم الحلول التي تضاعف قيمة النفط وتحوّله الى تنمية مستدامة ذات “قيمة مضافة”.
هنا يبرز مقترحنا السابق بتأسيس وزارة للطاقة تجتمع فيها كل مؤسسات الطاقة، هو الضمان لمنع التقاطع والصراع ووضع سياسة موحدة للبلاد في مجال الطاقة التي هي بحق قاطرة التنمية.
ولأسباب تتعلق بالطبيعة فإن حقول الرياح، أي المناطق التي يمكن فيها نصب “تورباين” توليد الطاقة الكهربائية من الرياح، هي مناطقة محدودة في بلادنا، ما خلا منطقة الشهابي قرب الحدود العراقية الإيرانية، المناسبة لمثل هذا النوع من الطاقة المتجددة.
لهذا، فإن “الطاقة الشمسية” ستكون هي محور اهتمام الطاقة المتجددة في العراق، لاسيما المنظومات المنزلية التي تمثل حلاً ممكناً ومسبوقاً يمكّن من الحصول على قدرات تراكمية مُجدية. خاصة إذا ما وفّرت الحكومة تسهيلات مالية ومحفزات تشجيعية لكل منزل ينصب هذه المنظومات، ضمن فلسفة دعم مخرجات الإنتاج.
ولو افترضنا أن 5 ملايين مشترك، نصبوا وحدات صغيرة سعة 3 ك واط، عندها سنحقق 15 الف ميكا واط. وهو رقم يفوق ما تنتجه وزارة الكهرباء عبر محطاتها الإنتاجية الحكومية مجتمعة. ولنتذكر أن هذه الطاقة المنتجة منزلياً، لا تحتاج الى شبكات نقل أو توزيع مكلفة، وهي بلا ضائعات فنية أو إدارية.
أما تنصيب محطات الطاقة الشمسية على شكل حقول بطريقة (On Grid)، و رغم أهميتها فهي تحتاج الى دراسة تطبيقية تتضمن في البداية تنصيب مشروع ريادي( Pilot Plant )، وبسعة مناسبة لنستكشف النجاح، وذلك قبل التورط بعقود ضخمة. لأنه بحسب العجز(Shortage )الحاصل في توليد الطاقة الكهربائية فان هذه المحطات لا تشكل بديلاً موثوقاً من الناحية الفنية، لأن تنصيبها لأغراض التشغيل التجاري يتطلب بناء محطات تصريف للأحمال الجديدة، من غير أن تؤثر على الشبكة في حالة الإطفاء التام لهذه المنظومات لأي سبب كان ( الغيوم … وغيرها). وكذلك يتطلب توفر احتياطي دوّار أو ساكن من انتاج الكهرباء من المحطات التقليدية بما يوازي مقدار الاضافة من الطاقة الشمسية. لان هذه الاضافة ستكون غير مستقرة وإن خروجها من المنظومة في أية لحظة، هو أمر وارد جداً وسيخلق عجزاً اضافياً. هنا سنحتاج بناء منظومات حماية معقدة لتفادي الاطفاء التام(Shut Down )عند انقطاع تجهيز المحطات الشمسية , كذلك يتطلب الأمر دراسة تجارية دقيقة قبل أن نقيّد الدولة بعقود استثمارية ضخمة قد تصبح مجحفة لاحقا نتيجة التطور التكنولوجي المتوقع، ونتيجة توقع انخفاض كلف انشاء هذه المحطات في المستقبل القريب.

1- في عقود جولات التراخيص تم وضع هدف بعيد عن الواقعية المرتبطة بشروط السوق وتنافس الدول على حصصها .
2- Statistical Review of World Energy 2021 – Bp
3- طن النفط المكافئ (toe):هو وحدة قياس تعبر عن كمية الطاقة التي تتولد من احتراق طن واحد من النفط الخام، وتستخدم عادة لقياس كميات ضخمة من الطاقة.

0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments